أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
400
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قوله تعالى : ما أَصابَكَ : في « ما » هذه قولان : أحدهما : أنها شرطية وهو قول أبي البقاء ، وضعّف أن تكون موصولة قال : « ولا يحسن أن تكون بمعنى الذي ؛ لأنّ ذلك يقتضي أن يكون المصيب لهم ماضيا مخصّصا ، والمعنى على العموم والشرطية أشبه ، والمراد بالآية الخصب والجدب ولذلك لم يقل : « ما أصبت » ، انتهى . يعني أنّ بعضهم يقول : إنّ المراد بالحسنة الطاعة وبالسيئة المعصية ، ولو كان هذا مرادا لقال : « ما أصبت » لأنه الفاعل للحسنة والسيئة جميعا ، فلا تضاف إليه إلا بفعله لهما . والثاني : أنها موصولة بمعنى الذي وإليه ذهب مكي ، ومنع أن تكون شرطية قال : « وليست للشرط لأنها نزلت في شيء بعينه وهو الجدب والخصب والشرط لا يكون إلا مبهما ، يجوز أن يقع وألّا يقع ، وإنما دخلت الفاء للإبهام الذي في « الذي » مع أن صلته فعل ، فدلّ ذلك على أنّ الآية ليست في المعاصي والطاعات كما قال أهل الزّيغ ، وأيضا اللفظ « ما أَصابَكَ » ولم يقل « ما أصبت » ، انتهى والأول أظهر ؛ لأنّ الشرطية أصل في الإبهام - كما ذكر أبو البقاء - والموصولة فبالحمل عليها . وقول مكّي : « لأنها نزلت في شيء بعينه » هذا يقتضي ألّا يشبّه الموصول بالشرط ؛ لأنه لا يشبّه به حتى يراد به الإبهام لا شيء بعينه ، وإلّا فمتى أريد به شيء بعينه لم يشبّه بالشرط فلم تدخل الفاء في خبره ، نصّ النحويون على ذلك ، وفي المسألة خلاف منتشر ، ليس هذا موضعه . فعلى الأول « أَصابَكَ » في محلّ جزم بالشرط ، وعلى الثاني لا محلّ له لأنه صلة . و مِنْ حَسَنَةٍ الكلام فيه كالكلام في قوله : ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ « 1 » وقد تقدّم ، والفاء في فَمِنَ اللَّهِ جواب الشرط على الأول وزائدة على الثاني ، والجارّ بعدها خبر لمبتدأ محذوف تقديره : فهو من اللّه ، والجملة : إمّا في محلّ جزم أو رفع على حسب القولين . واختلف في كاف الخطاب : فقيل : المراد كلّ أحد ، وقيل : الرسول والمراد أمته . وقيل : الفريق في قوله « إذا فريق » ، وذلك لأن « فريقا » اسم جمع فله لفظ ومعنى ، فراعى لفظه فأفرد ، كقوله : 1624 - تفرّق أهلانا ببين فمنهم * فريق أقام واستقلّ فريق « 2 » وقيل في قوله فَمِنْ نَفْسِكَ : إنّ همزة الاستفهام محذوفة تقديره : أفمن نفسك ، وهو كثير كقوله تعالى : وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها « 3 » وقوله تعالى : بازِغاً قالَ : هذا رَبِّي « 4 » ومنه : 1625 - رفوني وقالوا : يا خويلد لا ترع * فقلت وأنكرت الوجوه هم هم « 5 » وقوله : 1626 - أفرح أن أرزأ الكرام وأن * أورث ذودا شصائصا نبلا « 6 »
--> ( 1 ) سورة البقرة ، الآية ( 106 ) . ( 2 ) انظر البيت في البحر ( 3 / 301 ) . ( 3 ) سورة الشعراء ، الآية ( 22 ) . ( 4 ) سورة الأنعام ، الآية ( 77 ) . ( 5 ) البيت لأبي خراش الهذلي انظر ديوان الهذليين ( 2 / 144 ) ، الخصائص ( 1 / 247 ) ، الخزانة ( 1 / 201 ) ، اللسان ( رفا ) . ( 6 ) تقدم .